الحلبي

442

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : الآية 23 ] أي إذا أردت أن تقول سأفعل شيئا فيما يستقبل من الزمان تقول إن شاء اللّه ، فإن نسيت التعليق بذلك ثم تذكرت تأتي بها ، فذكرها بعد النسيان كذكرها بعد القول . قال جمع منهم الحسن : ما دام في المجلس : أي وظاهره وإن طال الفصل . وفي الخصائص الكبرى أن هذا : أي الإتيان بالمشيئة بعد التذكر من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم ، وليس لأحد منا أن يستثني : أي يأتي بالمشيئة إلا في صلة يمينه . أقول : كان ينبغي أن يقول في صلة إخباره ، لأن مساق الآية في الإخبار لا في الحلف . فإن قيل : هي عامة في الخبر والحلف . قلنا كان ينبغي أن يقول حينئذ في صلة كلامه وحينئذ يقتضي كلامه أن نشاركه في الخبر دون الحلف واللّه أعلم . ثم لا يخفى أنه قيل سبب احتباس الوحي أنه لم يقل إن شاء اللّه تعالى وهو المشهور ، وقيل لأنه كان في بيته كلب . وفي لفظ : كان تحت سريره جرو ميت ، فقد جاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم لما عاتب جبريل في احتباسه ، قال : أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب : أي فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال لخادمته خولة : يا خولة ما حدث في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ جبريل لا يأتيني ، قالت : فقلت في نفسي : لو كنست البيت ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو ميتا » . أقول : قال ابن كثير : قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعه من الصحابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ، ولا كلب ، ولا جنب » وقد أورد بعض الزنادقة سؤالا ، وهو إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة : أي صورة التماثيل التي فيها الأرواح ، يلزم أن لا يموت من عنده كلب أو صورة ، وأن لا يكتب عمله . وأجيب عنه بأن المراد لا تدخل ذلك البيت دخول إكرام لصاحبه وتحصيل بركة ، فلا ينافي دخولهم لكتابة الأعمال وقبض الأرواح ، واللّه أعلم . وقيل لأنه صلى اللّه عليه وسلم زجر سائلا ملحا ، وقد كان قبل ذلك يرد السائل بقوله : « آتاكم اللّه من فضله » أي وربما سكت ، فقد روى الشيخان « ما سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا فقال لا » قال الحافظ ابن حجر : المراد بذلك أنه لا ينطق بالرد ، بل إن كان عنده شيء أعطاه وإلا سكت ، وهذا هو المراد بما جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم ما ردّ سائلا قط : أي ما شافهه بالرد . وقد حكى بعضهم قال : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم فقلت : يا رسول اللّه استغفر لي ، فسكت ، فقلت : يا رسول اللّه إن ابن عيينة حدثنا عن جابر أنك ما سئلت شيئا